• الأحد 24 ماي 2026
  • Fr
  • Recherche
Monuments des Habous

الزاوية الرجراجية

أهم مميزات المعلمة

"الزوايا الرجراجية" هي زوايا صوفية تاريخية مرتبطة بقبيلة "الركراكة" الأمازيغية، والتي كانت تلعب أدواراً دينية واجتماعية مهمة في المغرب.

تُعرف هذه الزوايا بـ "موسم رجراجة" الذي يقام سنوياً في إقليم الصويرة ويجذب الأفراد والمريدين، ويتضمن الذهاب إلى أضرحة الزاوية وإقامة أسواق واحتفالات.

وموسم رجراجة أو ما يعرف محليا بالدور، هو موسم سنوي يقام بإقليم الصويرة، ويستمر حوالي أربعين يوما، عبر أربع وأربعين محطة، فترة يحج خلالها أفراد ومقدمي الطائفة الرجراجية إلى مختلف زوايا وأضرحة الإقليم، بالتوازي مع توافد الزوار وإقامة أسواق تجارية وتظاهرات ترفيهية.

ويعتقد أن أصل الحدث يبدأ من قصة سبعة رجال من المغرب قد زاروا النبي محمد في مكة، فأعلنوا إسلامهم ثم عادوا إلى ديارهم مكلفين بنشر الدين الجديد. وقد كان الدور من جملة ما اتبعوه في منهجيتهم ليحافظوا على تماسكهم، فمن جهة كان الدور عبارة عن تزاور فيما بينهم، ومن جهة أخرى، كان تجديدا للعهد بينهم وبين القبائل التي استجابت لدعوتهم. ثم طغى الطابع الإحتفالي فيما بعد على موسم رجراجة، ليتحول بشكل تلقائي من مجرد ظاهرة دينية روحية إلى مهرجان ثقافي يشتمل على العديد من النشاطات الإقتصادية والإحتفالية إلى جانب غرضه الأصلي. النقيب الحالي لزوايا رجراجة هو مولاي عبد العزيز الرجراجي.

يعيش إقليم الصويرة المغربية، خلال ربيع كل سنة، على وقع موعد ثقافي وديني مميز، يتجلى في موسم رجراجة أو ما يعرف بالدور، والذي يعتبر أطول مهرجان بربوع المملكة، دأبت ساكنة المنطقة على تنظيمه لعصور خلت، وما زال صداه يتردد سواء لدى زواره من داخل المغرب أو خارجه. ولعل هذا كان السبب الأبرز في إثارة اهتمام مجموعة من الباحثين مغاربة وأجانب، بمختلف تجلياته وأطواره وحمولاته المتعددة.

ويبدأ خروج الدور بحدث طقوسي ومسحة رمزية، وهو ما يعرف عند ركراكة بخروج العروسة، حيث يمتطي مقدم زاوية أقرمود فرسا مرتديا جلبابا أبيضا وسلهاما، فينطلق مع وفد من زاوية أقرمود حيث يتواجد ضريح شيخ ركراكة سيدي عبد الله بن أحمد القرمودي، مصاحبا مختلف محطات الدور.

ويعد ضريح سيدي علي بن بو علي بجماعة اكرات أول محطات الدور، حيث يقام موسم تذبح فيه الذبائح في إطار ما يسمى «الصفية» ويتم هذا الإفتتاح بحضور السلطة المحلية مرؤوسة بعامل إقليم الصويرة.

وقد جرت العادة قديما أن ينادي مناد في سوق الثلاثاء الذي يقام بجماعة سيدي علي الكراتي المذكورة: «أن الدور عامر يوم الخميس» ويسمى يوم الصفية الذي لابد فيه من حضور المقدم أو نائب عنه في أول دور. وفي مساء الخميس نفسه، تأتي الطائفة فيبيت أفرادها في المسجد. في حين أن التجار وأصحاب الحرف، قد جهزوا قياطينهم مستعدين لاستهداف رواج اليوم الموالي بسلعهم وخدماتهم، بعضهم آملين رزقا مصحوبا ببركات روحانية.

ويوم الجمعة الذي هو يوم الدور يتوافد الزوار بفرح وزينة، أما أفراد الطائفة الرجراجية ومقدميها فيلتقون بضريح سيدي علي بن بو علي، فيرددون على بابه بعض الأذكار وينادون بأزجال ملحونة موروثة عن أسلافهم.

وتبتدئ مراسيم الزيارة قبل الظهر، فتزور القبائل مصحوبة ببعض المسؤولين المحليين، ثم يزور الرجراجيون عند بعضهم، ويبدؤون بالدعاء للمقدمين، فأعيان الزوايا، فجميع من طلب الدعاء، وفي البدأ والختام يكون الدعاء شاملا لسلطان البلاد.

ويستمر حدث الدور ليومين بجماعة اكرات قبل أن ينتقل يوم الأحد إلى زاوية تالمست، حيث ينظم حفل كبير بالتوازي مع طقوس رجراجة، فيتوافد إليه الكثير من التجار والزوار، فتقام أنشطة ترفيهية تتمثل في التبوريدة، وفن الحلقة، وحفلات غنائية وغيرها.

ويوم الإثنين الذي هو دور سيدي أبي إبراهيم، تخيط خيمة رجراجة سواء أكانت جديدة أو قديمة، وهي خيمة من الصوف ذات لون أحمر، فتؤخذ يوم الثلاثاء من مقرها بزاوية سيدي محمد بن احميدة، وتحمل على ظهر جمل، كما جرت العادة، إلى زاوية سيدي عيسى بوخابية، فتنصب هناك لأول مرة بعد انطلاق الموسم لحوالي أسبوع.

أما لماذا يتم تأجيل بناء الخيمة حتى دور سيدي عيسى بوخابية، فيعود الأمر لاعتقاد الرجراجيين أنه أول دور في الموسم يقام بزاوية رجل من السبعة الذين زاروا النبي {ص} وتحسب لهم الصحبة.

ثم يواصل الدور مسيره حتى يستكمل كل محطاته الأربع والأبعين، مرورا بدور سيدي مكدول بمدينة الصويرة وانتهاء بدور سيدي علي المعاشي بجماعة حد الدرى، فيتفرق الموسم بعد انطلاقه بأربعين يوما، وتعاد الخيمة إلى مقرها بزاوية ابن حميدة.

ومن أعراف موسم رجراجة أن الزوار يتكرمون على الطائفة الرجراجية بما يسمى «الزيارة» أو «الفتوحات» وتتمثل في بعض النقود، والتي توضع في صندوق يتخذ مكانه تحت العمود الأوسط للخيمة، حيث يجلس مقدمي الزوايا الرجراجية، وكذا يتم تقديم قوالب السكر أو الذبائح.. كل يعبر عن كرمه قدر إمكانه.

كما أن جلالة الملك بدوره يتكرم على الطائفة الرجراجية بأعطية سنوية، يتم استيلامها وتوزيعها بدور سيدي مكدول بالصويرة. ويعتقد الزائرون أن في الزيارة نيل للبركة والأدعية المستجابة وقضاء الحاجات.

ولقد دأب أهالي القبائل على إطعام الرجراجيين حين يحلون ضيوفا بقبائلهم، كشكل من أشكال الإكرام وعربونا على الفرح، فبدور سيدي واسمن يتقدم الناس إلى الضريح حاملين فوق رؤوسهم أواني الطعام، فيما يعرف بالقصعة، وهي قصعات من الكسكس مزينة بـــالبيض المسلوق والجوز وبعض الحلويات، ومقببة بالخضر واللحم.

وينتهي الجمع عادة في كل دور، بالدعاء للزائرين والحضور، ويخصص قسم من الدعاء للسلطان، ثم يتم تقسيم الفتوحات وإسقاط الخيمة في جو احتفالي طقوسي تغمره بعض الروحانيات.

ومن عادة الرجراجيين أنهم أثناء تقسيم الفتوحات المتجمعة خلال أدوارهم، لا يعطون إلا للحاضرين، وليس للغائب شيء، وليس له الحق بالمطالبة، وتوزع هذه الفتوحات في ثلاثة عشر دورا، وهم سيدي علي بن بو علي، ثم سيدي أبو القاسم، بأولاد الحاج، وبزاوية رتنانة، ثم بـــأقرمود، ثم الصويرة ثم سيدي عيسى، ثم مطافي الحوف بين سكياط والنجوم، ثم سيدي محمد بن مرزوق، ثم بمرامر، ثم بسيدي عبد الله مولى الغيران، ثم بسيدي سعيد السابق، ثم بنجله سيدي عبد الله بن سعيد، ثم بسيدي علي المعاشي. وتقسم الفتوحات على أربعة عشر، تأخذ كل زاوية من الزوايا الثلاثة عشر نصيبها، ويأخذ المقدمين القسمة الأخيرة

وكما أن «الزيارة» تشكل جزأ هاما وجوهريا في الدور، فإن «الباروك» لا يقل أهمية وجوهرية، فلا يمكن للزوار أن لا يمروا بما يطلق عليه أسواق الباروك، والتي تنعقد بالتوازي مع كل محطات الدور، حيث يقتني الزوار بعضا من اللوز والجوز والكاكاو فيما يسمى «الفاكية» وبعض الحلويات، وقليل من الحناء، ويعبئ الباعة الباروك لزبنائهم في أكياس ورقية تسمى «الجوى».

وبما أن موسم رجراجة لا يخلوا من طابعه السياحي إذ أن الزوار يتوافدون عليه من كل جهات المملكة وحتى من الخارج، فإنه يعود بنتائج إيجابية على المستوى الإقتصادي، لاسيما بالنسبة للتجار وأصحاب الحرف الذين يتخذون من الدور سوقا حيويا لترويج سلعهم وخدماتهم .

وللنساء والأطفال حضور قوي في موسم رجراجة، إذ يعد الموسم تاريخيا فرصة لنساء المنطقة على وجه الخصوص، للتسوق والتنزه والترويح.

كما أن الأطفال يستقبلون الدور بفرح وشوق، ويعدونه مناسبة للترفيه واللعب، فلقد كان الأطفال قديما ولا يزالون يجدون متعتهم في فن الحلقة، وهو عبارة عن عروض كوميدية وحركات بهلوانية وغيرها.. وتقام اليوم منصات للعب في العديد من الأدوار، وهي عبارة عن مدن ألعاب صغيرة يتعاقب عليها الأطفال، كما أنهم يستطيعون اقتناء الألعاب أو استئجارها في كل مكان في أرجاء الموسم .

ويعتقد أن بداية الدور كانت مع سبعة رجال قد زاروا نبي الإسلام {ص} في مكة، فحادثوه وأسلموا بين يديه، ثم عادوا مكلفين بنشر رسالة الدين الجديد بين قبائلهم في المغرب، ولقد كان الدور من جملة ما اتبعوه في منهجيتهم ليحافظوا على تماسكهم، ومن جهة أخرى، ليكون حبل تواصل متين بينهم وبين القبائل التي قبلت دعوتهم، فكانوا يطوفون مرة كل سنة على تلك القبائل ليجددوا عهدهم بهم.

وهكذا فإن أصل الدور في البداية حسب معتقد رجراجة كان دينيا في مجمله، قبل أن يغلب عليه الطابع الإحتفالي، فيصقله التاريخ ليتحول بشكل تلقائي من مجرد ظاهرة دينية روحية إلى مهرجان ثقافي يشتمل على العديد من النشاطات الإقتصادية والإحتفالية إلى جانب غرضه الأصلي. ومع أن موسم رجراجة قد بدت عليه بعض علامات التهجين فلكلوريا، إلا أنه لايزال يحافظ على طابعه الثقافي، ولم يتجرد في معظمه من جوهره الروحي.

وقد شهد موسم رجراجة عبر تاريخه فترات حالت دون تنظيمه، وغالبا ما يتوقف الرجراجيون عن إقامة مواسمهم بسبب التوترات والحروب، ولعل أكثر الفترات التاريخية التي شهدت غيابا لأجواء الدور كانت خلال حكم الموحدين.

و قد توقف الدور كذلك لخمس سنوات خلال السنوات الأولى للحكم العلوي إزاء التوتر الذي شاب العلاقة في بدايتها بين القبائل الرجراجية والسلطان المولى إسماعيل. وقد انقطع الموسم أيضا سنة 1993 م ثم عاد بعدها مباشرة لسابق عهده. كما شهدت السنوات الأخيرة أيضا انقطاع الدور لموسمين بسبب جائحة كورونا واتباعا للتدابير الإحترازية من انتشار الوباء.