• الخميس 2 أبريل 2026
  • Fr
  • Recherche
Monuments des Habous

المدرسة البوعنانية أو المتوكلية بفاس

المدرسة البوعنانية أو المتوكلية بفاس

أهم مميزات المعلمة

تعتبر المدرسة البوعنانية بفاس آخر وأهم مدرسة أسسها المرينيون خلال فترة حكمهم التي امتدت بين القرن 13 و15 ميلادي، حيث انطلقت أشغال بنائها في 28 من رمضان 751ه والموافق ل 30 نونبر 1350م، تحت إشراف ناظر الأحباس أبو الحسن ابن أحمد بن الأشقر، وانتهت في أواخر شهر شعبان 756ه والموافق ل 8 شتنبر 1355م، وسميت المدرسة فيما بعد على اسم مؤسسها السلطان أبو عنان فارس (1351م-1356م)، بعد أن كانت تسميتها الأصلية المدرسة المتوكلية، نسبة إلى لقب نفس السلطان "المتوكل على الله"، حسب ما جاء في نص تشييدها وتحبيسها المنقوش على رخامة بها، هذا بعضه: "أمر بإنشاء هذه المدرسة المباركة السنية المسماة بالمتوكلية لتدريس العلم  والمفضلة  بإقامة فرض الجمعة أمير المؤمنين المجاهد في سبيل  رب العالمين على الله أبو عنان فارس  ابن مولانا الإمام العادل الفاضل ... أمير المؤمنين أبي الحسن ابن مولانا... أبي سعيد... وكان ابتداء بنائها في الثامن والعشرين لشهر رمضان المعظم  عام أحد وخمسين وسبعمائة  والفراغ منه آخر شعبان  المكرم عام سنة وخمسين  وسبعمائة وكان بناؤها على يدي الناظر في الحبس  بحضرة فاس حرصها الله  تعالى أبي الحسن بن أحمد بن الأشقر وفقه الله تعالى...".

 وتعكس المعلمة بعمارتها وتصميمها براعة ودقة حرفيي العصر المريني، إذ أن الزخارف والنقوش تكسوا جميع الأرضيات والجدران والأعمدة والأسقف، وذلك باستخدام مختلف المواد من الخشب والجص والزليج والمرمر والنحاس بشتى التقنيات والأنماط والتركيبات الهندسية والنباتية والأصباغ ومختلف أنماط الخط العربي المغربي. ومما ذكره المؤرخون في المبالغة في الإنفاق على بناء المدرسة، أنه عندما تم بناؤها اُطلع أبو عنان على سجل تكاليفها، ولما تصفح بضع صفحات وجد ما مجموعه أربعون ألف مثقال، فأنشد قائلا:

لابأس بالغالي إذا قيل حسن ***‏ ليس لما قرت به العين ثمن‏

يتم الولوج إلى المدرسة عبر مدخلين، مدخل رئيسي عبر زنقة الطالعة الكبيرة، ومدخل ثانوي صغير يؤدي مباشرة لقاعة الصلاة عبر زنقة الطالعة الصغيرة، ويتكون المدخل الرئيسي من بوابة مصنوعة من خشب الأرز المُلبس بالنحاس المنقوش، زينت واجهتها بنقوش كتابية وزخارف نباتية وهندسية على الجص يعلوها سقف خشبي منقوش، وعلى الجانب المقابل للبوابة توجد الساعة المائية الأثرية المرينية الشهيرة.

وتؤدي البوابة الرئيسية بعد صعود بضع درجات مغطاة بالرخام الأبيض والمحاطة بزخارف الزليج والجص، إلى صحن واسع مربع الشكل مبلط بالمرمر الأبيض تتوسطه "خصة" مائية رخامية تستخدم للوضوء، محاط بأروقة زُيّن نصفها السفلي ببديع تركيبات الزليج تعلوها نقوش كتابية لآيات قرآنية وأحيانا شعرية منقوشة على الزليج المقشر والجص، وعلى الجانب العلوي منها توجد ألواح خشب الأرز المنقوشة والمصبوغة -والتي قد ذهب معظم أصباغها باستثناء الأجزاء المخفية منها- المغطية للأسقف وقناطرها الحاملة، أما أعمدتها فمتوجة بعناصر زخرفية من الجص تسمى "النعال"، والتي تدعم القناطر الخشبية المزخرفة الحاملة للأسقف، وتعلوها أقواس من المقربص البديع التشكيل والمحاط بزخارف التوريق والكوفي وزخرف "الكحكة" و"درج وكتف"، تُكسِب في مجموعها بتوازنها وتماثلها نمطا مميزا للفن المعماري المريني.

وتتميز المدرسة بقاعة صلاتها الفريدة من نوعها والمتواجدة شمال الصحن، تفصل بينها وبين هذا الأخير قناة مكشوفة يناهز عرضها المترين، كانت تجري بها مياه شعبة من "واد فاس"، وقد نصبت على طول القناة من جهة الصحن درج يجلس عليه من يريد التوضؤ من جانبي القناة، ووضعت قطعتان مرمريتان عريضتان تمكن المصلين من المرور من الصحن إلى داخل قاعة الصلاة.

وقاعة الصلاة هذه مستطيلة الشكل تتكون من بلاطين موازيين لجدار القبلة، تفصل بينهما مجموعة أقواس غير متساوية المقاييس، حيث إن القوسين الجانبيين أقل اتساعاً من الأقواس الوسطى، وزخرف كل واحد منها بنمط مختلف عن الذي يليه بشكل متناسق ومتجانس، تتميز بأعمدتها الرخامية المكللة بتيجان مرمرية منقوشة ومصبوغة، بزخارف محكمة الصنع وبكتابات نقشت بخط أندلسي جميل، فالقوسان الأوسطان تيجانها يحملان ما نصه : "أمر ببناء هذه المدرسة المباركة مولانا أمير المومنين المتوكل على الله أبو عنان ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحسن ابن الخلفاء الراشدين أيده الله". أما الأقواس الأربعة الباقية فتحمل العبارة التالية: "النصر والتمكين والفتح المبين لمولانا أبي عنان أمير المؤمنين المتوكل على رب العالمين"

ويتوسط جدار القبلة محراب زينت جدرانه بنقوش جصية نباتية وهندسية فائقة الصنعة والتركيب، وكتابات قرآنية نقش أغلبها بخط أندلسي جميل، وبعضها بخط كوفي متقن مزخرف بوريقات نباتية توجد على الإطار المحيط لقوس المحراب، كما تتميز قاعة الصلاة ببرشلتين ضخمتين بتركيبات هندسية قل نظيرها، ومنبر يعد أحد أجمل منابر خطبة الجمعة المرينية وأكثرها رمزية وأجودها صنعة وتنميقا.

على جانبي الفناء تنتصب قاعتين كانتا مخصصتين لإلقاء الدروس العلمية بكل من الجهتين الشرقية والغربية، مربعتا الشكل لكل واحدة منهما باب عظيم مزخرف في قسمه الأعلى بنقوش جصية وفي قسمه الأسفل بقطع الزليج المختلفة الألوان، وأبوابها من خشب الأرز المتقن النقش والرقم.

كما تضم المعلمة غرفا ومرافق تستخدم لأغراض متعددة، بما في ذلك المرافق السكنية للطلاب المتواجدة بالطابق العلوي والسفلي، ومقصورة الإمام، وجامع الجنائز الموجود خلف قاعة الصلاة والذي ينزل إليه من خلال هذه الأخيرة بدرج، وبيت الوضوء الداخلي في الزاوية الشمالية للمدرسة، وبيت الوضوء الخارجي المحاذي للساعة المائية الحائطية التاريخية المشهورة باسم "المكانة"، وكتاب صغير يقع في جهة الجنوب الغربي، ومجموعة من العقارات المختلفة التي أنشأها أبو عنان وجعلها حبسا على المدرسة أو التي كانت موجودة وحبسها عليها، وقد ذكرت كلها في رخامة التحبيس ومما جاء فيها: "حبس أيده الله على هذه المدرسة إرفاقا لطلبة العلم وإرفادا، وإعانة لهم على طلبه وإسعادا، جميع ما ينقسم من الربع، وذلك الحمام المعروف بحمام الشطارة، والدويرة المتصلة من حقوقه بأعلى حلق النعام قبلي المدرسة المباركة، والرحا المتصلة بالمدرسة من جهة الشرق، والرحا الثانية المعروفة برحا الحطا، بين التي بها معدة الماء المجلوب منها الماء إلى المدرسة ودار الوضوء بها، والفرن الذي بالزنقة الفاصلة بينه وبين المدرسة، والرواءان الاثنان أحدهما بالزنقة جنب الفرن وتتصل بالحوانيت الجدد المحبسة على المدرسة، والآخر بزنقة ابن نوار وتتصل بدار الوضوء المذكورة، وأربع وسبعون حانوتا كلها بالقرب من المدرسة، بحقوق ذلك كله ومنافعه أجمعها لتصرف فوائده في إصلاح المدرسة ومرتبات المقرئين والطلبة القومين (يعني القيمين) بها تحبيسا تاما ثابت الحكم لا تبديل لرسمه إن شاء الله".

والأمر الذي استفردت به المدرسة عن أخواتها كونها تتوفر على مئذنة عالية متقنة الصنع والزخرفة، والمزينة بمختلف تراكيب الزليج الملونة، والتي أبرزها زخرف "درج وكتف" الذي أبدع فيه الحرفيون المرينيون أيما إبداع، وقد بنيت المئذنة بهذا الحجم كون المدرسة لعبت دور الجامع والمدرسة في آن واحد، وحلقة وصل بين جامع القرويين وجامع الأندلس، تحمل نداء الصلاة وإشارات الصيام والإفطار في رمضان إلى مختلف مستويات المدينة العتيقة لفاس وضواحيها. وقد أشير لذلك في نص الرخامة الحاملة لتاريخ التأسيس وللأحباس التي حبست على المدرسة حيث نعتت هذه الأخيرة بكونها "معدة لتدريس العلم وإقراء القرآن، المفضلة بإقامة فرض الجمعة".  

وقد خضعت المدرسة لعدة ترميمات خصوصا خلال فترة حكم المولى سليمان (1792-1822) بعد تعرض مدينة فاس لهزة أرضية، بحيث تم إصلاح أجزاء منها بكاملها، وفي القرن العشرين عرفت المدرسة أعمال ترميم هامة في البنية الحاملة وفي الزخارف الجصية والخشبية وفي الزليج. تلتها أشغال ترميم عام 2017 بإشراف من “وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس”، وتم إعادة افتتاحها وإلحاقها بجامعة القرويين.