أهم مميزات المعلمة
نبذة تاريخية
من المؤكد أن أعمال بناء المسجد بدأت فور الاستيلاء على مراكش عام 1147م، وتأسيس السلالة الموحديّة؛ واستمرت طوال معظم النصف الثاني من القرن الثاني عشر، ولم تنتهِ إلا بعد أربعين عامًا. هكذا بدأت عملية التشييد في عهد الخليفة الموحدي الأول عبد المؤمن، وتواصلت مع ابنه الخليفة أبو يعقوب، واكتملت في عهد حفيده الخليفة أبو يوسف يعقوب. فهي إذن تعود إلى فترة كانت فيـها الدولة المركزية المغربية تـهيمن على معظم ضفتـي الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط.
دراسة معمارية
الأبواب
يتوفر المسجد على ثمانية مداخل موزعة عبـر أبوابه. أما الأبواب الشرقية التي تطـــل على المدينة العتيقة فتتميز بحماية من خلال أروقة بارزة ذات تصميم بسيط. كما أن جميع هذه الأبواب مزينة بعقود متجاوزة كاملة الاستدارة وعقود كتف، مزدوجة بأقواس متعددة الفصوص، أو مدمجة داخل إطارات مستطيلة بسيطة التصميم. وتعلو كل بوابة صفوف من القرميد الأخضر المزجج، مما يضيف لـمسة جمالية خاصة.
أما أبواب الواجهة الغربية، فهي تتبع نفس التناوب في تصميم الأقواس والإطارات، غير أنـها جميعًا محمية بمدخلات أكثـر بروزًا مقارنة بخط جدار الواجهة.
كما توجد أيضًا بوابتان مغلقتان تملآن الفراغ بين مدخلين، ولا يُعرف سبب وجودهما، لكن في الوقت الحالي يمكن القول إنـهما تؤديان وظيفة جمالية تتمثل في تحقيق نوع من التناوب الزخرفي.
قاعة الصلاة
يبلغ طول قاعة الصلاة 83 متراً وعرضها 35 متراً. ويشكل التقاء البلاط المحوري والأسكوب الممتد على طول جدار القبلة، اللذين يتميزان بعرضهما، شكلاً على شكل الحرف اللاتينـي T، وهو مخطط مميـز للعمارة الدينية للموحدين. على جانبـي البلاط المحوري، توجد مجموعتان من أربعة بلاطات وقبتان على كل جانب على طول الأسكوب-البلاط. وللتأكيد على عملية الازدواج هذه، تحدد سلسلة من الأعمدة الصليبية في المسجد المزدوج حدود المسجد البسيط. [هنـري باسط وهـنـري طيـراس، الأضرحة والحصون الموحدية، دار النشر ميزونوف ولاروز، باريس، 2001، ص. 86] (H.Basset et H.Terrasse, Sanctuaires et forteresses almohades, Ed. Maisonneuve et Larose, Paris, 2001, p.86.)
ونحصل بذلك على ضريح واسع للغاية مكون من سبعة عشر بلاطا. ولإعادة التوازن إلى النِّسب، تم تعميق المصلى بمقدار أسكوبين، وتوسيع الصحن بمقدار بلاط أو بلاطيـن على كل جانب. وهذا يشبه نموذج المساجد الموحِّدية الكبرى، كما هو الحال في مسجدي تازة وتينمل. (المصدر نفسه، ص. 86).
المحراب
يقع المحراب، حيث يقف الإمام للصلاة، في أقصى صحن المسجد المركزي، محفورًا في الجدار الجنوبي للمصلى. ويتكون المحراب من العقد المتجاوز كامل الاستدارة وعقد كتف محاط بقوسين متحدي المركز، محاطين بإطار مزدوج. وتتميـز الركينات بزخارف على شكل ورود أو أزواج من الزخارف، وهي رموز للفن الزخرفي للموحدين، ومحفورة في إطار عريض من الزخارف المتشابكة متعددة الأضلاع. وفوقها، تربط خمسة أقواس، بعضها أملس وبعضها مزخرف، الإطار السفلي بشريط علوي مكون من نفس الزخارف المتشابكة. ويدعم فتحة المحراب، على جانبيـها، عمودان صغيـران من العقيق تعلوهما تيجان من الرخام على الطراز الأموي. من حيث أبعاده وقوسه، يشبه هذا المحراب إلى حد كبير محراب مسجد تينمل أكثـر من محراب الكتبية الأولى. في هذه المحابر الجميلة تتجلى اتجاهات الفن المتجدد، التي "تُظهر تباينًا بين نقاء زخارفه الواسعة ووفرة زخارف الماضـي“. (هنـري طيـراس، H.Terrasse.)
الصحن
يتميـز الصحن بمسجد الكتبية باتساعه أكثـر من عمقه، وتحيط به أروقة من كـافة جهاته، وتبلغ عدد أقواسه المنكسرة والمتجاوزة أربعة على الجوانب الصغيرة وثمانية على الجوانب الكبيرة. (على هذه الجوانب، تظهر منطقية المسجد المزدوج مرة أخرى، حيث أن الأقواس الثمانية مفصولة في المنتصف، في امتداد البلاط المحوري، بقوس مرتفع منكسر قليلاً ومزدوج بقوس مفصص.). وترتكز هذه الأقواس على أعمدة مربعة. كما أنـها مفصولة بأعمدة كبيرة تُستخدم أيضًا كممرات لأنابيب تصريف مياه الأمطار. ويوجد في وسط الصحن فَسْقية للوضوء دائرية من الرخام الأبيض كان محاطًا في وقت ما بحوض مستطيل. وأرضيته مغطاة بالبلاط التقليدي باللونين الأخضر والأبيض، والذي تم تجديده على الأرجح عدة مرات. وتضفي أشجار البـرتقال على هذا المكان الحيوية والجمال. (يَذكر تاريخ [محمد] الضُّعَيْف الرباطي: تاريخ الدولة العَلوية السعيدة أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله بويع في 16 نونبـر 1757 وهو واقف تحت ظـل شجرة برتقال في هذا الصحن.)
المئذنة
بُنيت المئذنة قبل بناء هذا المسجد (وبعد بناء المسجد الأول) الذي افتُتح عام 1158م، وهي بالضرورة من صنيع الخليفة عبد المومن، الذي توفي عام 1163م، على الأقل من حيث تصميمها العام (ج. ديفردان G.Deverdun، مراكش من الأصول إلى عام 1912، ص. 188). والمئذنة بأكملها مصنوعة من الحجر. وهي عبارة عن حجارة كبيرة الحجم، من الحجر الرملي الصخري الذي يأتي من محاجر جبل ﮔيليـز الواقع عند مدخل المدينة، في الشمال الغربي. كلما ارتفعت المئذنة، كلما تدهورت الحجارة حتـى تصل إلى القبة حيث يمتـزج الطوب بالحجر. ”لم تكن كل هذه التفاوتات في الحجارة صادمة لأن المئذنة كانت في الأصل مغطاة بطبقة من الملاط، مع فواصل زائفة منتظمة فوق طبقات الحجارة المركبة بشكل خشن“ ، (ج. ديفردان G.Deverdun، مراكش، ص.189).




